استمارة البحث

القسم 2. القيادة الخادمة: قبول نداء الخدمة والمحافظة عليه

  • ما هي ميزات القائد الخادم؟
  • كيف تصبحون قادة خادمين؟
  • كيف تجدون الإلهام؟

دعونا لنواجه الأمر الواقع: غالباً ما تترافق القيادة مع الانطباعات السيّئة. بدءاً بالفضائح الجنسية وصولاً إلى الاختلاس، وبدءاً بالمتعطّش للسلطة وصولاً إلى البيروقراطي غير الكفؤ، يصعب على الكثير من الناس أن يضعوا ثقتهم في قادتهم، وأن يعملوا معهم بكفاءة لبلوغ الغايات المشتركة.

ومع ذلك، ثمّة أشخاص يصبحون قادة من أجل ما قد نسمّيه الأسباب "الصحيحة"؛ أي الأشخاص الذين يستخدمون القيادة كوسيلة لمساعدة الآخرين، بدلاً من أن تكون وسيلة لكسب السلطة الشخصية. فهؤلاء الأشخاص يأتون إلى المراكز القيادية لأنّهم يريدون خدمة الآخرين بشكل أفضل.

كيف يكون ذلك؟ في خدمتهم، وجدوا أنّهم يستطيعون القيام بأفضل الأمور من خلال قبول مسؤوليات القيادة واحتمالاتها. ونسمّي هؤلاء الأشخاص الذين يصبحون قادة بدافع من رغبتهم في الخدمة بفعالية أكبر: القادة الخادمين.

في الصفحات القليلة التالية، سنبحث في بعض الأفكار المرتبطة بالقيادة الخادمة. بعد ذلك، سننظر بإيجاز إلى كيفية التحوّل إلى قائد خادم. وأخيراً، سنناقش موضوعاً يكتسي الأهمية نفسها: كيف يمكن للقائد الخادم أن يحافظ على رغبته في الخدمة على المدى البعيد.

ما هي ميزات القائد الخادم؟

أقسام أخرى كثيرة من هذا الفصل في "عدّة العمل المجتمعي" تناقش الميزات المختلفة المرتبطة بالقيادة، كالتأثير في الآخرين، واتّخاذ القرارات، وتحديد الاحتياجات. وتنطبق جميع هذه الميزات على القادة الخادمين أيضاً. غير أنّ مصطلح القائد الخادم يتطلّب أكثر من ذلك، فهو يتطلّب عقلية مختلفة ربّما. إنّه فعلاً جانب فريد من فكرة القيادة.

في ما يلي قائمة ببعض أهمّ ميزات القيادة الخادمة. ويُذكر أنّ بعض الأفكار والأعمال التالية لا تنطبق سوى على القيادة الخادمة، وثمّة أخرى قد نجدها في جميع أنواع القيادة ولكنّها، بكلّ بساطة، تبرز أكثر لدى القادة الخادمين.

يؤمن القائد الخادم بأنّه "أوّل بين متساوين". وهذه الفكرة يرتكز عليها مفهوم القيادة الخادمة. فالقائد الخادم لا يعتبر نفسه أرفع شأناً من الذين يقودهم، بل هو/هي "أوّل بين متساوين" كما تقول العبارة اللاتينية "primus inter pares". بمعنى آخر، هو/هي يرى الذين يقودهم أقراناً يعلّمهم ويتعلّم منهم. فهو مستعدّ لقيادة الآخرين من أجل بلوغ غاية متّفق عليها، ولكنّه لا يظنّ أنّه أفضل من الآخرين كونه القائد.

لذلك، يُعَدّ القائد الخادم بانياً بارعاً للفريق. فهو يعتمد على نقاط قوّة تابعيه، ويكون هو ذاته/ا تابعاً عندما يكون ذلك مناسباً. فمثل هذا القائد لا يقود بالأوامر أو الإملاءات، بل يقود من خلال السماح للجميع بالقيام بما يقومون به بشكل جيّد. في هذا الإطار، قد يكون شبيهاً بمدير الحلبة في السيرك - يوجّه الأشخاص إلى مواقعهم الصحيحة، ثمّ يخرج من تحت الأضواء ويتركهم ليلمعوا.

وهذه الفكرة ليست جديدة - في الواقع، وردت قبل آلاف السنين في الآيات التالية المنقولة عن كتاب التاو تي-تشينغ:

الأنهار والبحار تحظى بولاء وتقدير مئات جداول الجبال لأنّها تبقى تحتها. وهي بذلك قادرة على أن تحكم على جميع جداول الجبال. فالحكيم الذي يرغب في أن يكون أعلى من الآخرين، يبقى دوناً منهم؛ إنّه يبقى خلفهم إذا رغب في أن يتقدّمهم. هكذا، لن يشعر الآخرون بالثقل حتّى ولو كان الحكيم فوقهم؛ فمع أنّ الحكيم يتقدّم الآخرين، إلا إنّ هؤلاء لا يرون في ذلك أذيّة.

وكما الحكيم، يتّبع القائد الخادم أسلوبَ قيادة قد يوصَف بالـمتواضع. ولا يشكّل أسلوب التوجيه هذا -- حيث يتمكّن الأشخاص، بما أنّهم متساوون، من التعبير عن همومهم والعمل بأقصى طاقاتهم -- عبئاً ثقيلاً على التابعين. بدلاً من ذلك، يتشارك القائد الخادم الأعباء والفوائد بالتساوي مع هؤلاء الأقران. فكلّ المعنيين يستفيدون.

 

 

القائد الخادم يستخدم السلطة بنزاهة. فهو يستخدم القيادة والسلطة بطريقة شرعية، لمصلحة الأشخاص الذين يخدمهم. إنّه يرى القيادة وسيلة لتحقيق المصلحة العامة، وليس غاية شخصية منشودة.

 

 

بالنسبة إلى الذين يشاهدون منّا أشخاصاً في السلطة، يبدو الفرق واضحاً جداً. فلا نحترم المرابي الذي يستخدم قوّته ويتباهى بها، ولا السياسي الذي يستخدم الكلام المنمّق ويتفاخر بمهاراته، بل نحترم الأم تيريزا ونلسون مانديلا؛ فهما قائدان خادمان شغلا مركزيهما باستقامة.

وقد عبّر روبرت غرينْليف في مقالته "الخادم كقائد" عن هذه الفكرة على الشكل التالي: "يبدأ الأمر برغبة طبيعية في الخدمة، الخدمة أوّلاً. ثمّ يقود الاختيار الواعي إلى التوق نحو القيادة. والفرق يظهر في حرص الخادم -- على التأكّد أوّلاً من تلبية احتياجات الآخرين الملحّة."

هل ينجح قادتنا دائماً في هذا الميدان؟ نادراً ما يحصل هذا. قد يخفقون في ذلك – ونحن أيضاً، كقادة خادمين، قد نخفق فيه. فنحن بشر. ومع ذلك، فهي مثال نتطلع إليه في مؤسّساتنا العامة وفي قادتنا. وإذا استمرّينا في المحاولة، قد نلهم تابعينا لكي يعيشوا هم أيضاً حياة خدمة.

 

 

القائد الخادم يفهم أهمية التفاصيل اليومية. عندما نفكّر في القيادة العظيمة، يرد إلى ذهن الكثيرين منّا ما قد نسمّيه "الكلام العظيم". نفكّر في حلم مارتن لوثر كينغ؛ نفكّر في ما يمكننا أن نقوم به من أجل بلدنا. ونفكّر في الثورات المشتعلة، أو شعارات الثوار.

 

 

ولكن، في الحقيقة، إنّ هذه الخطابات تشكّل جزءاً صغيراً جداً فحسب من القيادة، حتّى أنّ الحاجة إليها أقلّ بالنسبة إلى القائد الخادم.  فكوننا قادة خادمين يرتبط أكثر بالنقاشات الفردية وبالاهتمام بالتفاصيل اليومية.

تمرين:

فكّروا في مجموعة من الناس عملتم معهم أو شهدتم عليهم وكانوا فعّالين بشكل خاص: فالأمور أُنجزت، وبشكل صحيح، وبدا أنّ الأعضاء يستمتعون فعلاً بعملهم. مَن كان القائد، بشكل رسمي أو غير رسمي؟ وماذا فعل/ت؟ وما كان أسلوب الإدارة الذي اتّبعه/ته؟

القائد الخادم يستمع إلى الجماعات المكوِّنة ويهتمّ لأمرها. فالقادة الخادمون مستعدّون لتخصيص بعض الوقت للاستماع إلى ما يريد الآخرون قوله. في الواقع، إنّهم أكثر من مستعدّين لذلك – فهم يسعون بطريقة نشطة إلى معرفة آراء هؤلاء الأتباع وأفكارهم. ويكتسي ذلك أهمية قصوى بالنسبة إلى القائد الخادم.

وانطلاقاً من هذا الاستماع، قد تنشأ علاقة احترام متبادل. والاستماع يشكّل صفة فطرية لدى القائد الخادم – فالاهتمام بالآخرين هو جزء من هويته. ويمكنه استخدام هذه المهارة والتعلّم من تابعيه؛ فهو ليس معلّماً فحسب.

للاطّلاع على طرق للتحوّل إلى مستمعين أفضل، انظروا تمريناً على الاستماع النشط في قسم الأدوات.

 

 

القائد الخادم يساعد الناس على الحصول على ما يريدونه. فالقائد الخادم يهتمّ لأمر الناس؛ لذلك، فهو يسعى بشكل طبيعي إلى اكتشاف ما يريدون، ويساعدهم على الحصول عليه.

 

 

ولكن أحياناً، يبدو أنّ القائد الخادم يريد أمراً مختلفاً جداً عن الجماعات المكوِّنة. فماذا يحصل في هذه الحالة؟

غالباً ما تكون الغاية العليا مشتركة، ولكنّ الأشخاص يختلفون من حيث الأفكار التي لديهم عن كيفية تحقيق هذه الغاية. على سبيل المثال، قد يرغب قائد خادم في إجراء لقاء ديبلوماسي مع قادة من المعارضة في قضية تلوّث بيئي، فيما يريد آخرون في المجموعة مجابهتهم.

فعندما يواجه القائد الخادم هذا النوع من الحالات، نراه يحاول التعبير عن الأمور بالمصطلحات المناسبة، أو وضعها في المنظور الصحيح لكي يراها الناس كما يراها هو. فثمّة قول مأثور قديم يقول: "العسل يجذب الذباب أكثر من الخلّ"؛ فالقائد الفاعل يشرح الأمور ويناقشها بحيث تتوضّح الغايات المشتركة، أو تنجلي منافع اتّباع أسلوب معيّن للقيام بالأمور.

انتظروا لحظة. قد تقولون: بدأ ذلك يبدو سلبياً نوعاً ما – كلّ هذا الحديث عن "بيع" الأمور ووضعها في المنظور الصحيح. فهل إنّ القائد الجيّد يخدع تابعيه في الأساس؟

قطعاً لا. تذكّروا أنّنا قلنا في البداية إنّه على القائد الخادم أن يقود بنزاهة، وللسبب/الأسباب الصحيح(ة). ولكن، إذا كنتم تتكلّمون الانكليزية، وتريدون إجراء نقاش مع شخص من البرازيل، فسيكون عليكم تغيير طريقة كلامكم معه، إذ سيكون عليكم تعلّم البرتغالية. هكذا يمكنكم المضي وإجراء حديث جيّد معه.

صحيح أنّ معظم الحالات ليس متطرّفاً إلى هذه الدرجة، غير أنّ الرسالة واضحة: القائد الخادم يعرف -- ويستخدم -- لغة الجماعات المكوِّنة. إليكم المثال التالي:

أراد قائد برنامج للوقاية من الحمل المبكر وحمل المراهقات الحصول على دعم الكاهن الكاثوليكي المحلّي [الذي تعارض كنيسته استخدام موانع المل]. ولكنّه أدرك أنّه على الأرجح لن يصل إلى نتيجة إذا ناقش حملة "استخدام الواقي الذكري" التي ينظّمها البرنامج. بدلاً من ذلك، تكلّم مع الكاهن عن عملهما المشترك، فكلاهما يروّجان للامتناع عن ممارسة الجنس مبكراً، كما تجمعهما رغبة شديدة في أن تكون حياة الشباب مكتملة وصحّية قدر الإمكان. ومع انتهاء النقاش، كانا قد اتّفقا على العمل على عدّة مشاريع معاً، ووافق الكاهن على ألا يعارض علناً الأعمال الأخرى التي تقوم بها المجموعة والتي لا يوافق عليها. وفي النهاية، تشكّل تحالفٌ ناجح.

العبرة؟ ابدؤوا حيث يكون الناس.

قبل أن نكمل، من المهمّ أن نشير هنا إلى أنّ القائد الخادم ليس منغلقاً على نفسه. فهو سيبذل أفضل ما في وسعه لإقناع الآخرين برؤية الأمور كما يراها هو، وهذا صحيح. ولكن، كما قلنا، إنّ القائد الخادم يستمع إلى الجماعات المكوِّنة ويتعلّم منها. فهو منفتح على التحسين. وإذا اقتنع بأنّ الآخر على حقّ، فهو يوافق على اقتراحه بكلّ رحابة صدر.

 

 

القائد الخادم يوسّع آفاق الجماعات المكوِّنة. صحيح أنّ القائد الخادم يبدأ حيث يكون الناس كما رأينا في النقطة الأخيرة، ولكنّه لا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل يساعد الآخرين على رؤية الإمكانات الموجودة. وقد يكون ذلك على الصعيد الشخصي ("أعرف أنّه بإمكانك إنهاء سباق الركض")، وأيضاً في المجتمع المحلّي ("هل يمكنكم أن تتصوّروا كيف سيبدو هذا الحي بعد طلائه من جديد وزرع بعض الأشجار؟"). فالقائد الخادم يساعد الناس على القيام بأمور لم يعرفوا أنّه بوسعهم القيام بها. وهو يجلس مع الجماعات المكوِّنة لوضع غايات ممكنة ومثيرة للتحدّي في آنٍ معاً.

 

 

 

 

القائد الخادم يلهم الآخرين لكي يخدموا. أخيراً، إنّ القائد الخادم يعرف أنّه ليس بإمكانه القيام بكلّ شيء بمفرده -- وبصراحة، لم يكن ليفعل ذلك حتّى ولو كان قادراً عليه. فالقائد الخادم يريد أن يعمل مع الآخرين ومن أجلهم. لذلك، عليه أن يكون قادراً على إلهام الذين يخدمهم لكي يخدموا الآخرين بدورهم.

 

 

كيف يلهم القائد الخادم الناس؟ إنّ الطرق التي يستخدمها لإلهام الناس لكي يخدموا لا تختلف بالضرورة عن الطرق التي يستخدمها أيّ قائد لإلهام الآخرين القيام بأيّ شيء -- أو الطرق التي يستخدمها فعلاً أيّ شخص يلهم الناس. وقد تكون رغبة القائد الخادم في مساعدة الآخرين مصدراً للإلهام بحدّ ذاتها، إلا أنّه ثمّة عدد كبير جداً من الأمور المختلفة التي تلهم الناس.

إذاً، قد نجيب عن هذا السؤال من خلال النظر بإيجاز إلى الإلهام بشكل عام. يمكننا أن نبدأ على صعيد شخصي. ما الذي يدفعنا إلى النهوض من مقاعدنا عندما يتكلّم متحدّث ما؟ وما الذي يقنعنا بإرسال المال إلى طفل لن نلتقي به أبداً؟ ما هو مصدر الإلهام هذا؟ ما الذي يجب أن نقوم به؟

تمرين:

 

قبل أن تكملوا، أكتبوا قائمة بخمسة قادة تعرفونهم شخصياً أو تعرفون عنهم – خمسة أشخاص تقدّرونهم جداً. لماذا يلفتون انتباهكم؟ ما الذي يفعلونه؟ كيف يفعلونه؟ ما الذي يعجبكم فيهم؟ هل لديهم جميعاً أسلوب القيادة نفسه؟ إن لم يكن الأسلوب نفسه،

فبماذا يختلفون؟

من المحتمل أن يكون الأشخاص الخمسة الذين دوّنتم أسماءهم أمامكم مختلفين جداً. فقد يكون أحدهم هادئاً، والآخر جريئاً. قد يصرخ أحدهم، فيما الآخر يسأل. قد يحبّ أحدهم الدعاية، فيما قد ينفر نفوراً معتدلاً من الإعلام (أو لا يثق به). ويحتمل أن يرد على القائمة اسم شخص لم تروه حتّى، ولكنّ إحدى كتاباته تركت فيكم أثراً.

في جميع الأحوال، إنّ الأشخاص الذين أمامكم يختلفون كثيراً على الأرجح. وهذا ينطبق على القادة بشكل عام، وحتّى على القادة الخادمين. ولكن، إذا نظرتم عن كثب، فقد تلاحظون تكرّر بعض الميزات. في ما يلي قائمة جزئية ببعض الميزات التي تُعَدّ مصدراً للإلهام:

  • الصدق
  • الوعي
  • التعاطف
  • الشغف
  • القدرة على تخطّي العوائق، لا سيّما تلك التي تشكل صعوبات للتابعين
  • حسّ من المرح

 

 

القائد الخادم يتكيّف للتأقلم مع الوضع. إذا كان منزلكم يحترق فلن يهمكم سماع الإطفائي يقول: "ما هو في رأيكم الاستخدام الأمثل للوقت والتوجّه في الوقت الراهن؟"، بل تريدون أن تسمعوا على الأرجح: "السلم هناك، وسنخرجكم أنتم والأطفال من هنا."

 

 

من ناحية أخرى، إذا كنتم تناقشون في العمل تغييراً كبيراً في منظّمتكم، يصبح السؤال المناسب: "ما الذي يجب أن نقوم به برأيكم؟". في الواقع، قد تغضبون إذا لم يُطرح عليكم مثل هذا السؤال.

إذاً، إنّ القائد الخادم يقيّم كلّ وضع ويستجيب له على حدة لكي يكون مصدراً للإلهام. وهو يفوّض صلاحياته إلى شخص آخر يتلاءم أسلوب قيادته أكثر مع الوضع عندما يكون ذلك مناسباً-- فهو يعمل مستخدماً نقاط قوّة الأشخاص. والقائد الجيّد يفهم متى لا يكون هو بالضرورة الشخص الأفضل للعمل؛ فهو يعرف نقاط قوّته تماماً كما يعرف نقاط ضعفه، وهو يحيل بكلّ رحابة صدر الفرصَ التي تناسب أشخاصاً آخرين بشكل أفضل.

 

 

كيف تصبحون قادة خادمين؟

 

 

كما رأيتم، إنّ التحوّل إلى قائد خادم هو بالأحرى حالة ذهنية وليس مجموعة من التوجيهات. لذلك، لا يتّبع هذا التحوّل عمليةً مؤلّفة من خطوات متتالية، على عكس أقسام أخرى كثيرة في "عدّة العمل المجتمعي" (أوّلاً، تصبحون صادقين. ثانياً، تهتمّون لأمر الناس...). ولكن، ثمّة أمور يقوم بها القائد الخادم، بدلاً من أن يؤمن بها فقط. يمكنكم العمل على هذه المهارات حتى يبقى الجزء "الخادم" من" القائد الخادم" حياً في أذهانكم. والكثير من هذه المهارات قد نوقش بالتفصيل في أقسام أخرى، لذا سنكتفي بذكرها هنا. فهي تتضمّن:

  • الاستماع إلى الآخرين
  • إشراك الآخرين
  • الترويج للعمل الجماعي بدلاً من اتّخاذ القرارات فردياً
  • تعزيز مهارات حلّ المشكلات

والواقع أنّ هذه المواضيع قد نوقشت بطريقة معمّقة نوعاً ما في الفصل 16: تيسير المجموعات وحلّ المشكلات. انظروا أيضاً الأدوات في نهاية هذا القسم للاطّلاع على نشاطات من أجل الترويج للتواصل وبناء الفرق.

 

 

كيف تجدون الإلهام؟

 

 

القائد الخادم، كما ناقشنا، هو شخص يريد مساعدة الآخرين أوّلاً – وبالتالي، ومن حيث تعريفه، فهو يهتمّ بنفسه بالدرجة الثانية. ولكن، قد يشكّل ذلك مشكلة أحياناً. ربّما تشعرون كقادة أنّكم تفقدون تألّقكم. فأنتم تريدون مساعدة الناس -- أو على الأقلّ كنتم تريدون ذلك. ولكنّكم تتراجعون وتتعبون. فالمشكلة التي أخذتموها على عاتقكم تبدو أكبر من أيّ وقت مضى، والأمر الوحيد الذي يفوقها حجماً هو الكومة المكدّسة على مكاتبكم. فأنتم لا تتذكّرون المرّة الأخيرة التي رأيتم فيها زوجاتكم أو أزواجكم. تودّون أن تفوّضوا صلاحياتكم. ولا تريدون أن تخدموا، بل ترغبون في الراحة لفترة معيّنة. تريدون الهروب إلى جزيرة نائية وعدم العودة أبداً أبداً.

هل يبدو ذلك مألوفاً؟ وإذا صحّ ذلك، فما الذي يمكن فعله؟ ما الذي يلهم -- أو يعيد إلهام -- القائد الخادم؟ أين نحصل على الطاقة، والحماسة، والاستمرار في جذب الآخرين وقيادتهم ليكونوا أبطالاً ناشطين في قضيتنا؟ ما الذي يحرّكنا لنحرّك الآخرين؟

بالنسبة إلى القائد الذي يسير على طريق الإرهاق -- أو بالنسبة إلى أيّ شخص يريد أن يبقى بعيداً عن هذا الطريق من الأساس -- ليس من السهل دائماً أن نبقى ملهَمين ومتحمّسين للقضية. ولكن، قد يكون ذلك أهمّ أمر يمكنكم أن تقوموا به. فالإرهاق والاستسلام هو احتمال واقعي للغاية. ولكن فكّروا في الأمر من هذا المنطلق: إذا سمحتم للإرهاق بالتغلّب عليكم، يكون قد ضاع بصيص نور، كأنّ ضربة قوية قد وُجّهت إلى قضيتكم.

القائد الجيّد إذاً – أي القائد القوي القادر على الاستمرار على المدى البعيد – يهتمّ بنفسه إلى جانب مساعدة الآخرين. فمن السهل على الكثيرين منّا أن يلهوا بعملهم ويهملوا احتياجاتهم الخاصة. أو إذا اهتمّمنا بأنفسنا، فإنّنا نقوم بذلك عشوائياً عندما تكون مستويات الإحباط مرتفعة، فتنفجر الأزمة أخيراً.

إذاً، لتجنّب ذلك، يفكّر القائد الخادم في احتياجاته باستمرار، ويهتمّ بنفسه قبل وقوع الكارثة.

قد تقولون إنّ ذلك يبدو متناقضاً؛ فلقد قرأنا للتو أنّ القائد الخادم يخدم أوّلاً. هذا صحيح. ولكن على القائد أن يحصل على منتوج معيّن جرّاء عمله/ها، وعليه الإقرار بهذا المكسب، وإلا فسيصبح الاستسلام وشيكاً جداً. فيجب توافر العنصرين معاً. فكّروا في دائرتين متداخلتين:

تمثّل إحدى هاتين الدائرتين رغبة القائد الخادم في مساعدة الآخرين؛ والأخرى تمثّل حاجته إلى مساعدة نفسه. والمثالي هو أن يؤدّي القائد الخادم هذين الدورين، في مكانٍ تتداخل فيه هاتان الدائرتان.

 

 

إذاً، ما هي بعض الأمور التي يمكن للقائد القيام بها حتى يبقى ملهَماً ومتحمّساً لعمله؟ الإجابات فردية، وتختلف بقدر ما يختلف كل قائد عن الآخر. ولكن، يمكنكم أن تنظروا في هذه الاحتمالات التي نجحت مع عدّة قادة. فهل ينجح أيّ منها معكم؟

 

 

  • خصّصوا وقتاً لأنفسكم. قد تعتقدون أنّه ليس لديكم الوقت الكافي لأخذ إجازة، أو لتعطيل فترة بعد الظهر أحد الأيام: ولكن، هل تستطيعون فعلاً ألا تخصّصوا وقتاً لذلك؟ في الواقع، أنتم تحتاجون إلى وقتٍ لتستجمعوا قواكم وتجدّدوا نشاطكم. وثمّة طرق كثيرة للقيام بذلك. فقد تلجؤون إلى التأمّل اليومي، أو الهرولة، أو تخصيص نهار للقيام بأمرٍ تحبّونه. وقد يكون هذا النشاط أيّ شيء تقريباً: حضور مسرحية، أو الذهاب في نزهة في الهواء الطلق؛ أو الاشتراك في صفّ لتعلّم صناعة الفخّار؛ أو مشاهدة مباراة في كرة قدم. وأياً يكن هذا النشاط، عليكم أن تقوموا به لأجلكم أنتم فقط، وأن تستمتعوا به وتجدّدوا حيويتكم. كذلك، يجب ألا يكون له أيّ علاقة بالعمل.
  • اقرؤوا – لا الأخبار فحسب وعن عملكم. اقرؤوا الروايات، أو السير الذاتية، أو أيّ شيء يروق لكم. في الواقع، ثمّة صفة مشتركة تربط الكثير من قادتنا التاريخيين، وهي مقدار ما يقرؤون. فالقراءة تلهم الإبداع والابتكار، وتساعدكم على رؤية "الصورة الكبرى" بوضوح أكثر. القيام بذلك، سيمكنكم من إقامة روابط لم تكونوا لتقيموها من دون القراءة. هي، باختصار، تساعدكم على إبقاء كلّ ما في الحياة حاضراً في وعيكم.
  • احصلوا على دعم الآخرين. نعرف جميعاً ما يُقال عن وحدة القادة. وقد ينطبق ذلك على القادة الخادمين أيضاً. في الواقع، عندما تباشرون العمل، قد تشعرون بالوحدة أياً كان موقعكم. فجميعنا نحتاج إلى أشخاص يستطيعون مساعدتنا ويدعموننا في تحدّياتنا وأفراحنا.

 

 

وبالنسبة إلى القادة الخادمين، من المهمّ أن نحسن اختيار هؤلاء الأشخاص، وذلك لأنّنا للأسف إذا لم نختر هؤلاء الأشخاص بوعي، نكون غالباً  وكأننا نحيل احتياجاتناعلى أشخاص غير مناسبين.

 

 

وقد يوفّر لنا بعض الأشخاص في حياتنا الشخصية الكثير من هذا الدعم: الأزواج أو الزوجات، وأفراد الأسرة، والأصدقاء. ولكن، من المفيد أحياناً أن نحصل على الدعم من أشخاص ضمن مجالنا سبق لهم أن تعاملوا مع بعض التحدّيات والأوضاع المثيرة نفسها التي اختبرناها نحن. في ما يلي طريقتان لإقامة مثل هذه العلاقات:

  • وجود مرشد: نحن نتعلّم دائماً؛ فتعلّمنا لا ينتهي أبداً، وهذا ما نأمله. إذا اعتمدنا على الذين سبقونا، يصبح لدينا رؤية أوسع بكثير. وبالتالي، قد يشكّل الحفاظُ على علاقة إرشاد طريقةً ممتازة لمساعدتكم على الاستمرار في التطور على الصعيد المهني.
  • تطوير علاقات متينة مع الأقران: قد يكون التكلّم مع قادة آخرين مفيداً جداً، لا سيّما في مجالكم. وهذه إحدى الطرق التي تبرز فيها فائدة الاجتماعات والمؤتمرات المهنية. فمن خلال التكلّم مع قادة آخرين، يمكنكم أن تفهموا شيئاً فشيئاً أنّ الأشخاص الآخرين يعانون المشكلات ذاتها التي تواجهون. وهذا يساعدكم على أن تدركوا أنّكم لستم وحدكم.

تمرين:

فكّروا في شخص تقدّرون قيادته أو تقدّرونه مهنياً بطرق أخرى. الأفضل أن تختاروا شخصاً يعمل في مجاله منذ سنوات عدّة. إسألوه من أين يحصل على دعمه. عندما يشعر بالإحباط، إلى مَن يلتجئ؟ هل من احتمالات مماثلة أو أشخاص مشابهين في حياتكم الخاصة؟ وهل تنجح معكم أشكال الدعم نفسها؟

  • تَحدّوا أنفسكم: إذا لم يعد ينجح معكم "الروتين القديم"، ابحثوا عن أفق جديد لاستكشافها. تحدّوا أنفسكم بتوجّهات واحتمالات جديدة. وقد يكون ذلك من خلال إطلاق برنامج جديد، أو تشكيل تعاون جديد، أو تجديد مشروع قائم. فكلّ ما يعيد حماستكم قد ينجح؛ والإمكانيات لا نهاية لها.
  • انظروا إلى الصورة الكبرى: هذا يعني أنّه عليكم أن تتذكّروا المسألة بكاملها، وألا تضيعوا في متاهة التفاصيل الصغيرة. فأحياناً، قد نضيع في متاهة المتاعب اليومية في عملنا. وهذا هو الوقت المناسب لنذكّر أنفسنا برؤيتنا الأوسع، سواء أكانت وضع حدّ للإساءة إلى الطفل، أو حياً سكنياً مزدهراً، أو عالماً من دون تحيّز. إذا فعلنا بذلك، فقد نصبح أكثر استعداداً لرؤية هذه المتاعب كعوائق صغيرة نحن مستعدّون لتخطّيها، بدلاً من اعتبارها حواجز مستعصية لا تستحقّ جهودنا.
  • احتفلوا بالمكاسب الصغيرة: على سبيل المثال، إنّ السلام في العالم هو غاية عليا لن تتمكّنوا أنتم وحدكم، ولا حتّى منظّمتكم وحدها، من تحقيقها. في الواقع، قد لا تتحقّق بالكامل أبداً، ولكنّ الكثيرين منّا يشعرون مع ذلك أنّها تستحقّ السعي من أجلها. إذاً، احتفلوا بإنجازكم عندما تنجزون جزءاً من هذا السلام. للحصول على اقتراحات، انظروا الفصل 41، القسم 1: تنظيم الاحتفالات.

الخلاصة:

إنّ القائد الخادم يرى إلى القيادة كما يرى النجار مطرقة. فالمطرقة أداة – وهي أداة مهمّة جداً في حد ذاتها. ويمكن استخدامها للبناء، والابتكار، ولتحقيق حلم. ولكن ضربة خاطئة واحدة يمكن أن تؤدي إلى نتيجة مؤلمة جداً.

والقيادة أيضاً تسمح للشخص بتطوير الأحلام، فهي تفتح الأبواب وتتيح الفرص أن تتحقّق. ولكن، يجب الانتباه عند أداء دور القيادة، لأنّ الأخطاء قد تكون مكلفة، تماماً مثل أخطاء المطرقة. والأسوأ من ذلك أنّه يمكن استخدام القيادة، كاستخدام تلك المطرقة، للتدمير بدلاً من الابتكار؛ ولإيذاء الناس بدلاً من مساعدتهم. والقيادة يمكن أن تدمّر القائد أيضاً إن لم ننتبه جيّداً لأنفسنا.

الخادم الحكيم إذاً يكون حريصاً مع هذه السلطة، تماماً كما لو كان يستخدم تلك المطرقة، إذ يحاول دائماً التأكّد من الضرب على رأس المسمار.

Contributor 
Jenette Nagy

الموارد

المطبوعات

Greenleaf, R. K. (1976). Servant leadership: A journey into the nature of legitimate power and greatness. New York, NY: Paulist Press.

Covey, S. (1992). Principle-centered leadership. New York, NY: Simon and Schuster.

الانترنت

مركز روبرت ك. غرينليف للقيادة الخادمة Robert K. Greenleaf Center for Servant Leadership http://greenleaf.org/

مركز هارتلاند لتطوير القيادة The Heartland Center for Leadership Development